أحمد بن علي القلقشندي

149

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وانطوت قلوب الرعايا على حبّه ، وتهلَّلت وجوه المنى في سلمه واستهلَّت سحب المنايا في حربه ، وجمع بين حدّة البأس ولطف التّقى فكان هو الكميّ الذي شفع الشّجاعة بالخضوع لربّه ، وحاط ما وليه من الأقاليم بسوري بأسه وعدله فبات كل أحد وادعا في مهاده آمنا في سربه ، وأغارت سرايا مهابته قبل طلوع طلائعه فأصبح كلّ من العدا أسير الذّعر قبل إمساكه ، قتيل الخوف قبل ضربه ؛ مع احتفال بعمارة البلاد ، أعان السّحب على ريّها ، واشتمال على مصالح العباد ، قام في تيسير أرزاقهم مقام وسميّ الغمائم ( 1 ) ووليها ، وتيقّظ لمصالح الثّغور أنام عنها عيون الخطوب ، وإشراق في أفق المواكب كسا وجه الدّين نور البشر ووجه الكفر ظلام القطوب . وكانت المملكة الحلبية عقيلة المعاقل ، وعصمة العواصم ، وواسطة عقود [ الممالك ] ( 2 ) وسلك فرائد النّصر الَّتي كم أضاءت بها إلى الكفر وجوه المسالك ، لا تدرك في مضمار الفخار شهباؤها ، ولا ترى إلا كما ترى النجوم في عيون العدا حصباؤها ؛ ولها من الحصون المصونة كلّ قلعة يتهيّب الطَّيف سلوك عقابها ( 3 ) ، ويتقاصر لوح الجوّ عن منال عقابها ؛ فهي عزيزة المنال ، إلَّا على كريم كفاءته ، بعيدة مجال الآمال ، إلا على ما ألفت من إيالة كفايته ، سامية الأفق إلا على شمسه ، نابية الطَّرف إلا على ما عرفت من سلوكه في أمسه ، ظامية الغروس الَّتي أنشأها في مصالحها إلى ما اعتادته من سقيا غرسه - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيدها إشراقا بشمس جلاله ، واعتلاء بسيفه الَّذي رياض الجنّة تحت ظلاله ، وأن نعيد أمرها إلى من طالما حسّن عدله بقعتها ، وحصّن بأسه قلعتها ، وأطارت مهابته سمعتها ، وأطالت سيرته سكون رعاياها في مهاد الأمن وهجعتها ، وأعاد وجوده أحوال مجاوريها من العدا إلى العدم ، وأباد سيفه أرواح معانديها : فلو أنكرته أعناقهم لم يكن بالعهد من قدم .

--> ( 1 ) الوسميّ : مطر الربيع الأول . ( 2 ) بياض بالأصل . ( 3 ) جمع عقبة .